فخر الدين الرازي
166
المطالب العالية من العلم الإلهي
وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : الوجوب الذاتي جزء من أجزاء تلك الماهية ، فهذا أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير يكون واجب الوجود مركبا « 1 » ، وكل مركب ممكن ، ينتج أن واجب الوجود لذاته ممكن ( الوجود ) « 2 » لذاته ، وهو محال . وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : وجوب الوجود صفة خارجة عن الذات فنقول : هذا أيضا باطل ، لأن كل ما كان صفة خارجة عن الذات لاحقة لها فهو مفتقر إلى تلك الماهية ، وكل ما كان مفتقرا إلى غيره « 3 » فهو ممكن لذاته ، فالوجوب بالذات ممكن بالذات ، وكل ما كان ممكنا بذاته ، فإنه لا يجب إلا بوجوب علته ، فقبل هذا الوجوب وجوب آخر ، وذلك ( يوجب ) « 4 » الذهاب إلى ما لا نهاية له . فثبت أن هذه الأقسام الثلاثة : ( باطلة ) « 5 » . الشبهة الثالثة : لو وجد موجود واجب الوجود لذاته ، لكان إما أن يكون وجوده نفس ماهيته ، أو مغايرا لها . والأول باطل ، لأنه لو كان وجوده نفس ماهيته ثم إن ماهيته مخالفة لماهية سائر الماهيات ، ولجميع صفات تلك الماهيات ، فيلزم أن يكون لفظ الموجود واقعا عليه وعلى غيره ، لا بحسب مفهوم واحد ، وقد ثبت أن ذلك باطل . والثاني أيضا باطل ، لأن بتقدير أن يكون الوجود صفة قائمة به ، كانت مفتقرة إلى ذلك الموصوف ، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا بد له من علة ، ولا علة له إلا تلك الماهية ، فتكون علة ذلك الموجود ، هو تلك الماهية ، لكن كل علة فهي متقدمة على معلولها بوجودها ، فيلزم كون تلك الماهية متقدمة بوجودها على وجودها ، فيلزم أن يكون ذلك الوجود متقدما على نفسه ، وهو محال .
--> ( 1 ) ممكنا ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) إليه فهو ( س ) . ( 4 ) من ( ز ) . ( 5 ) من ( س ) .